جنوب لبنان في قلب الاستراتيجية: بين خيار الاجتياح وفرض منطقة عازلة.. قراءة سياسية – عسكرية في مسار العملية الإسرائيلية المفتوحة وأهدافها الإقليمية

بيروت_أحمد موسى

 

في ظل التصعيد المتواصل على الجبهة الجنوبية، تتجه الأنظار إلى طبيعة العملية التي ينفذها الجيش الإسرائيلي، والتي لم تعد تُقرأ كتحرك عسكري محدود، بل كجزء من استراتيجية أوسع تتقاطع فيها الأهداف الميدانية مع الحسابات السياسية الإقليمية.

 

عملية بلا سقف… وأهداف تتجاوز الرد

 

منذ الرد الإسرائيلي في الثاني من آذار على صواريخ حزب الله، بدا واضحاً أن تل أبيب اختارت مسار “العملية المفتوحة”، أي تلك التي لا تخضع لسقف زمني أو جغرافي محدد. هذا التحول يعكس انتقالاً من منطق الردع التكتيكي إلى محاولة إعادة رسم قواعد الاشتباك على الحدود اللبنانية.

 

في هذا السياق، لا تبدو الخيارات العسكرية محصورة بين اجتياح بري شامل أو ضربات جوية مكثفة، بل تتداخل الأدوات ضمن مقاربة تدريجية تسعى إلى تحقيق أهداف مركبة.

 

بين الحسم العسكري والضغط السياسي

 

تُظهر المعطيات أن الجبهة الجنوبية لم تعد تُعامل كـ”جبهة حسم” تقليدية، بل كأداة ضغط ضمن صراع أوسع يمتد إلى العلاقة المتوترة مع إيران. وهذا التحول يفسر اعتماد إسرائيل سياسة “التدرج المدروس”، التي تجمع بين التصعيد الميداني وترك الباب مفتوحاً أمام التسويات السياسية.

 

ثلاثية الميدان: سيطرة، ردع، وإعادة تشكيل

 

وفق القراءة العسكرية، تتحرك إسرائيل ضمن ثلاث مستويات متوازية:

□تكريس السيطرة المباشرة على الشريط الحدودي الأمامي، بما يحد من قدرة الخصم على المبادرة.

□فرض سيطرة نارية على عمق يتجاوز الخطوط التقليدية، وصولاً إلى ما بين الليطاني والأولي.

□توسيع نطاق الضغط ليشمل مناطق النفوذ الأساسية لـ حزب الله، بما فيها الضاحية الجنوبية والبقاع.

هذه المقاربة تعكس سعياً لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في الجنوب، وليس فقط احتواء التهديدات القائمة.

 

سيناريو الحزام الأمني… خيار مرحلي؟

 

في ضوء الحشود العسكرية، بما في ذلك الدفع بعدة فرق قتالية، يبقى خيار الاجتياح الواسع قائماً، لكنه ليس الخيار الوحيد. فثمة ترجيحات متزايدة بأن تتجه إسرائيل إلى فرض “منطقة عازلة” بعمق يصل إلى نحو 10 كيلومترات، تُدار بالنار وتُفرغ من مقومات الحياة، كبديل أقل كلفة من الاحتلال المباشر.

 

هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان تجربة “الحزام الأمني” قبل عام 2000، لكن ضمن شروط أكثر تشدداً، قد تفرض لاحقاً ترتيبات أمنية جديدة على الجانب اللبناني.

 

العامل الأميركي… وتوازنات المواجهة

 

لا يمكن فصل مسار العملية عن الدور الأميركي، حيث أشار دونالد ترامب إلى تحركات عسكرية في المنطقة، من بينها نشر حاملة طائرات، في سياق الضغط على إيران.

 

هذا التطور يعزز فرضية أن الجبهة اللبنانية تُستخدم أيضاً لاختبار موازين القوى الإقليمية، خصوصاً في ما يتعلق بالقدرات الصاروخية الإيرانية، واحتمالات توسيع المواجهة.

 

بين الميدان والسياسة: معادلة مفتوحة

 

في المحصلة، لا يبدو أن إسرائيل في وارد حسم خيارها النهائي بعد، بل تدير معركة متعددة الأهداف، تتراوح بين إضعاف الخصم، وفرض وقائع ميدانية جديدة، وتحسين شروطها التفاوضية في أي تسوية مقبلة.

 

الجنوب رهينة التوازنات الكبرى

 

يبقى جنوب لبنان ساحة مفتوحة على احتمالات متناقضة، تتراوح بين التصعيد الواسع والاحتواء المرحلي. وبين الميدان والسياسة، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط وفق ما يجري على الحدود، بل وفق ما ستؤول إليه التفاهمات الإقليمية الأوسع.

اخبار ذات صلة